أحمد ياسوف
310
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وقد تدارك الأمر فنبذ تقويم الجميل بذاته ، القائم على المثالية الغامضة أو المجملة ، وراح يقرّر الجمال الموضوعيّ الذي يتعيّن في نسب المادّة وشكلها ، وهذا الجمال الموضوعي - كما نرى - يتّصف بالكمّ ، ولا يتّصف بالماهيّة ، فعدد الحروف هو المعيار ، وليس أنواعها . ويجب أن نقول : إن علاقة القارئ أو السامع بالكلمة كما يجدها ، ومن التّعسّف إحالته إلى الأصل ، ثلاثيا كان أو رباعيّا ، فإنّ هذا لا يعدّ تسويغا لطول النّفس معها ، فما شأن القارئ أو السامع بكون الجذر الأصلي للكلمة « خلف » ؟ ، لذلك نرى أنّ موضوعية ابن الأثير غير مقنعة ، كما أن سطحيّة ابن سنان مجحفة ، وكأنّما الأمر مجرد كمّ لا كيفية ولا نوعيّة . ويبدو أن جمال كلمة « ليستخلفنّهم » له وجه آخر يتّضح من وجود السين والخاء الساكنتين ، وهما من حروف الهمس ، وهذا هو سرّ فصاحة الكلمة . وإذا كان ابن الأثير يعوّل في هذا الأمر على جذر الكلمة ، ولا يحتكم إلى الذوق على جاري عادته في كثير من صوتيات القرآن الكريم ، فإن هذا الاحتكام إلى الذوق المبهم يتكرر لدى يحيى العلوي الذي خصّص صفحات مطوّلة لفصاحة المفردة أيضا ، إذ يقول : « والتّعويل في ذلك على الذوق ، فإنها ربما كثرت الحروف ، وهي خفيفة على اللّسان ، كقوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] وكقوله : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [ النور : 55 ] « 1 » . ومفهوم الخفة يبدو غامضا ، وكثيرا ما قرنوه بالعذوبة ، لذلك يبقى هذا التفسير بحاجة كبيرة إلى التوضيح ، فلا نعرف إن كانت الخفّة في
--> ( 1 ) الطّراز ، يحيى بن حمزة العلوي : 1 / 110 .